الشيخ محمد رضا النعماني
50
الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار
وليس هذا عجيبا بالنسبة لمن يعرف مستوى نبوغ وذكاء الشهيد الصدر ( رضوان الله عليه ) إذ ليس من دأب شهيدنا العبقري أن تحوم أبحاثه العلميّة حول سطوح المطالب بعيدا عن العمق ، بل كان يغور إلى إعماقها حتى تبدو له خفاياها بحيث لا يترك مجالا لأي باحث من أن يزداد عليه تحقيقا أو تعميقا ، ولم يكن مترددا في ما يرتبه من نتائج أو ما يختاره من حلول وآراء ، وكان يمتلك قدرة فائقة على سبر غور المطالب العلميّة رغم تعقيدها وتشعّبها دون أن تختلط عليه مباحثها بل كان يمتلك من الوضوح ما يمكّنه من الإحاطة التامّة بها ، ويقلل إلى درجة كبيرة فيها خطأه فكان يأتي فيها بالتحقيق الجديد أو الإبداع المبتكر فتراه مهيمنا بشكل مطلق على كل المطالب العلميّة التي بحثها أو كتبها . كان ( رضوان الله عليه ) حينما يقرأ أو يكتب أو يفكّر ينقطع عن المحيط الذي يعيش فيه ، وينسجم مع الحالة التي هو فيها انسجاما بنحو لا يشعر معها بما حوله وكنت في أحيان كثيرة أردع أطفاله الصغار عن اللعب أو الصياح ظنا منّي أن ذلك يوفر له جوا مناسبا للتفكير والمطالعة ، إلا أني لاحظت أن شهيدنا لا يعبأ بما يحدث حوله ، ولا يتضجّر من الضجيج والصياح ، فسألته عن سبب ذلك فقال لي : " حينما أنسجم مع المطالب العلميّة لا أشعر بما حولي " . ولقد سمعت من زوجته العلوية التقيّة أم جعفر تقول : حينما يستغرق السيد في المطالعة أو التفكير ينسى كل شيء ، حتى طعامه ، فأراني مضطرة في آخر الأمر إلى قطع تأمله أو مطالعته ، فأقول له : لقد قرب الظهر ولا شئ عندنا ، عندها يقوم ليشتري بنفسه ما نحتاج إليه . ومن الطرائف في هذا الباب ما كان يذكره من أنه كان يستغرق أحيانا في التفكير بشكل مستمر طوال اليوم والليل ولا ينقطع إلا عند النوم ، ثم إنه عندما كان يستيقظ يبدأ من نفس النقطة التي انتهى إليها عند النوم ، وبذلك يفسر قدرته على استيعاب جميع هذه المطالب . هذه الحالة هي إحدى خصائص السيد الشهيد ( رضوان الله عليه ) ، وهي خاصية